عبد القاهر الجرجاني

203

دلائل الإعجاز في علم المعاني

كل ذلك توصّل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون فيه ، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحله . وهكذا إن اعتبرت قول الشّنفرى يصف امرأة بالعفة : [ من الطويل ] يبيت بمنجاة من اللّؤم بيتها * إذا ما بيوت بالملامة حلّت " 1 " وجدته يدخل في معنى بين " زياد " ، وذلك أنه توصّل إلى نفي اللّؤم عنها وإبعادها عنه ، بأن نفاه عن بيتها وباعد بينه وبينه ، وكان مذهبه في ذلك مذهب " زياد " في التوصل إلى جمع " السماحة والمروءة والندى " في ابن الحشرج ، بأن جعلها في القبة المضروبة عليها . وإنّما الفرق أنّ هذا ينفي ، وذاك يثبت . وذلك فرق لا في موضع الجمع ، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد . وممّا هو في حكم المناسب لبيت " زياد " وأمثاله التي ذكرت ، وإن كان قد أخرج في صورة أغرب وأبدع ، قول حسان رضي اللّه عنه : [ من الطويل ] بنى المجد بيتا فاستقرّت عماده * علينا ، فأعيى النّاس أن يتحوّلا " 2 " وقول البحتري : [ من الكامل ] أو ما رأيت المجد ألقى رحله * في آل طلحة ثمّ لم يتحوّل " 3 " ذاك لأنّ مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان ، وجعله يكون حيث يكون .

--> ( 1 ) البيت في المفضليات ( 108 ) رقم ( 20 ) ، وقبله : لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها * إذا ما مشت ولا بذات تلفت تبيت بعيد النوم تهدي عنوقها * لجارتها إذا ما الهدية قلت والشنفرى شاعر جاهلي من بني الحارث بن ربيعة . والشنفرى اسمه ، وقيل : لقب له ، ومعناه عظيم الشفة . والبيت أورده القزويني في الإيضاح ( 292 ) ، والمفتاح ( 519 ) ، والطيبي في التبيان ( 1 / 332 ) ، والطيبي في شرحه على مشكاة المصابيح ( 1 / 126 ) ، ونهاية الإيجاز ( 271 ) ، والطراز ( 1 / 424 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 162 ) ط ، دار ابن خلدون من قصيدة مطلعها : لك الخير غضي اللوم عني فإنني * أحب من الأخلاق ما كان أجملا ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي * فما طائري يوما عليك بأخيلا ( 3 ) البيت في ديوانه ، وأورده القزويني في الإيضاح ( 293 ) ، والطيبي في التبيان ( 1 / 331 ) ، ومحمد ابن علي السكاكي في المفتاح ( 522 ) ، والعلوي في الطراز ( 1 / 424 ) ، والإشارات للجرجاني ( 248 ) ، والبيت في شرح ديوان أبي تمام لشاهين عطية ( 105 ) .